الخطيب الشربيني
589
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم وقوله تعالى : فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يجوز أن يكون بدلا من الجنود ، واستشكل كونه بدلا ؛ لأنه لم يكن مطابقا للمبدل منه في الجمعية . وأجيب : بأنه على حذف مضاف ، أي : جنود فرعون وأنّ المراد فرعون وقومه ، واستغنى بذكره عن ذكرهم لأنهم أتباعه ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه . والمعنى : إنك قد عرفت ما فعل الله تعالى بهم حين كذبوا رسلهم كيف هلكوا بكفرهم فقومك إن لم يؤمنوا بك فعل بهم كما فعل بهؤلاء ، فاصبر كما صبر الأنبياء قبلك على أممهم . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك فِي تَكْذِيبٍ لك لا يرعوون عنه ، ومعنى الإضراب : أنّ حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشدّ من تكذيبهم ، وإنما خص فرعون وثمود لأنّ ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة ، وإن كانوا من المتقدّمين ، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم ، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل بهما على أمثالهما . وقوله تعالى : وَاللَّهُ أي : والحال أن الملك الذي له الكمال كله مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ وفيه وجوه : أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحصره ، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه ينسدّ عليه مسلكه فلا يجد مهربا ، يقول الله تعالى : فهم كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم . ثانيها : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] فهو عبارة عن مشارفة الهلاك . ثالثها : أنه تعالى محيط بأعمالهم ، أي : عالم بها فيجازيهم عليها . بَلْ هُوَ أي : هذا القرآن الذي كذبوا به ، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قُرْآنٌ أي : جامع لكل منفعة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف مَجِيدٌ أي : شريف وحيد في اللفظ والمعنى ، وليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة . فِي لَوْحٍ هو في الهواء فوق السماء السابعة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده ، دينه الإسلام ، ومحمد عبده ورسوله ، فمن آمن بالله عز وجل وصدّق بوعيده واتبع رسله أدخله الجنة ، قال : واللوح لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، وحافتاه الدرّ والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور وكلامه نور ، معقود بالعرش وأصله في حجر ملك . وقرأ مَحْفُوظٍ بالرفع نافع على أنه نعت لقرآن ، والباقون بالجرّ على أنه نعت للوح . وقال مقاتل : اللوح المحفوظ عن يمين العرش وقال البغوي : هو أمّ الكتاب ، ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات » « 1 » حديث موضوع .
--> ( 1 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 734 .